علي بن أحمد المهائمي
75
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
العنصرية ، وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والفلكية فيه ، فلذلك قيد الطبيعة بالكلية ، ثم صرح بقوله : ( التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله ) ، وهذا هو الذي أكد احتجابها إذ بذلك نظرت أنها جامعة للأسرار الإلهية والكونية لكنه غلط إذا لو تم جمعها لتم تصرفها في العالم كتصرف روح الإنسان الكامل فيه « 1 » . [ وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكريّ ، بل هذا الفنّ من الإدراك لا يكون إلّا عن كشف إلهيّ منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه ، فسمّي هذا المذكور إنسانا وخليفة ، فأمّا إنسانيّته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلّها وهو للحقّ بمنزلة إنسان العين من العين الّذي به يكون النّظر ، وهو المعبّر عنه بالبصر ، فإنّه به نظر الحقّ تعالى إلى خلقه فرحمهم ، فهو الإنسان الحادث الأزليّ والنّشؤ الدّائم الأبديّ ، والكلمة الفاصلة الجامعة ، فتمّ العالم بوجوده ، فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم ، الّذي هو محلّ النّقش والعلامة الّتي بها يختم الملك على خزانته ، وسمّاه خليفة من أجل هذا ؛ لأنّه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلّا بإذنه ، فاستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ، ألا تراه إذا زال وفكّ من خزانة الدّنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحقّ تعالى فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعضه ، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديّا ، فظهر جميع ما في الصّورة الإلهيّة من الأسماء في هذه النشأة الإنسانيّة ، فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود ، وبه قامت الحجّة للّه تعالى على الملائكة ، فتحفّظ فقد وعظك اللّه بغيرك ، وانظر من أين أتي على من أتي عليه ] . ثم أشار إلى أنه لا يمكن إقامة البرهان العقلي على رجوع بعض ما عندها إلى الجناب الإلهي ، وبعضه إلى جانب حقيقة الحقائق ، وبعضه إلى الطبيعة الكلية ؛ فقال : ( وهذا لا يعرفه عقل ) ، وإن كان لا ينكره أيضا ( بطريق نظر فكري ) بترتيب المقدمات ( بل هذا الفن من الإدراك ) أي : إدراك مرجع الموجودات من الحضرات المذكورة ( لا يكون إلا عن كشف إلهي ) بأن ترفع حجب القلب بتصقيله ، فيجاري به المبادئ العالية المنتقشة بالعلوم بل العلم الأزلي ( منه يعرف ما أصل صور العالم ) أي : مرجعها من الحضرات المذكورة ( القابلة ) تلك الصور ( لأرواحه ) أي : أرواح العالم الكبير والصغير من النفوس السماوية والمعدنية
--> ( 1 ) قال الشيخ رضي اللّه عنه : إن للطبيعة أنوارا يكشف بها صاحبها ما تعطيه الطبيعة من الصور في الهباء ، وما تعطيه من الصورة العامة التي هي صور الجسم الكل ، وهذه الأنوار إذا حصلت على الكمال تعلق علم صاحبها بما لا يتناهى وهو عزيز الوقوع عندنا ، وأمّا عند غيرنا فممنوع عقلا حتى إن ذلك في الإلهيات مختلفة فيه عندهم .